تُعدّ الجهة القضائية حجر الزاوية في بناء دولة القانون، والركيزة الأساسية في تحقيق العدالة وصون الحقوق والحريات. وفي المجتمع الليبي، حيث يشكّل الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع وفقًا للإعلان الدستوري، يكتسب القضاء بعدًا مضاعفًا، إذ لا يقتصر دوره على الفصل في النزاعات، بل يتجاوز ذلك ليؤدي وظيفة وقائية فعّالة في الحد من الظاهرة الإجرامية، مستندًا في ذلك إلى أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها السامية.
إن الشريعة الإسلامية لم تقتصر على وضع العقوبات، بل قامت على مبدأ الوقاية قبل الزجر، فجاءت النصوص الشرعية مؤكدة على حفظ الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، العرض، والمال. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، وهو توجيه صريح لإقامة منظومة عدلية تحقق التوازن والاستقرار داخل المجتمع. كما أن تطبيق الحدود والتعازير في الشريعة لم يُقصد به مجرد العقاب، بل تحقيق الردع العام والخاص، وهو ما ينسجم مع الفلسفة الحديثة للسياسة الجنائية.
وفي هذا السياق، يبرز دور القضاء كآلية وقائية من خلال تكريس مبدأ سيادة القانون، وضمان عدم الإفلات من العقاب، وهو ما يعزز الثقة العامة في العدالة ويحدّ من النزعات الإجرامية. فالقاضي، حين يُطبّق النصوص القانونية بروح الشريعة ومقاصدها، لا يحقق العدالة فحسب، بل يسهم في تهذيب السلوك الاجتماعي وردع الانحراف.
وبالرجوع إلى التشريع الليبي، نجد أن قانون العقوبات الليبي رقم (48) لسنة 1956 وتعديلاته، قد تضمّن مجموعة من النصوص التي تهدف إلى حماية المجتمع من الجريمة، سواء من خلال تجريم الأفعال الماسة بالأمن العام أو من خلال تقرير عقوبات رادعة. كما أن قانون الإجراءات الجنائية كفل ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما يتماشى مع ما قررته الشريعة الإسلامية من ضرورة التثبت في إقامة الحدود، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ادرؤوا الحدود بالشبهات”، وهو مبدأ يعكس عمق العدالة وحرصها على تجنب الظلم.
ولا يقتصر الدور الوقائي للقضاء على إصدار الأحكام، بل يمتد ليشمل تفسير النصوص القانونية بما يحقق المصلحة العامة، ومراقبة مشروعية الإجراءات، وضمان احترام حقوق الإنسان. فالقضاء العادل يشكّل رادعًا نفسيًا قبل أن يكون رادعًا ماديًا، إذ يدرك الأفراد أن هناك سلطة مستقلة تقف بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه الإخلال بالنظام العام.
كما أن التنسيق بين القضاء وبقية مؤسسات الدولة، كأجهزة الضبط القضائي والنيابة العامة، يسهم في تعزيز الوقاية من الجريمة، من خلال سرعة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة الناجزة، وهو ما يقلل من فرص تكرار الجريمة ويعزز الاستقرار المجتمعي.
ومن منظور الشريعة الإسلامية، فإن تحقيق العدالة لا ينفصل عن تحقيق الرحمة، وهو ما يفتح المجال أمام القضاء لإعتماد بدائل العقوبات في بعض الحالات، كالإصلاح والتأهيل، خاصة في الجرائم البسيطة، بما ينسجم مع مبدأ الإصلاح الذي تُعليه الشريعة.
وخلاصة القول، فإن الجهة القضائية في المجتمع الليبي تؤدي دورًا محوريًا ليس فقط في مكافحة الجريمة، بل في الوقاية منها، من خلال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في إطار قانوني منظم، يوازن بين الردع والعدالة، وبين الحزم والرحمة. الأمر الذي يجعل من القضاء أداة فعّالة في بناء مجتمع آمن تسوده الطمأنينة والاستقرار.
إضافة تعليق جديد