:
لم يعد الفضاء الرقمي في عصرنا الراهن مجرد وسيط تقني لتبادل المعلومات، بل أضحى بيئة متكاملة تنشأ فيها علاقات قانونية مستحدثة، وتتولد عنها صور جديدة من السلوك الإجرامي تتسم بالتعقيد والامتداد العابر للحدود، الأمر الذي فرض على المشرّع الليبي مواكبة هذا التحول بإصدار القانون رقم (5 لسنة 2022م) بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، واضعًا بذلك إطارًا جنائيًا حديثًا يهدف إلى حماية الأمن المعلوماتي وصون المصالح القانونية المرتبطة بالبيئة الرقمية.
ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية تتمثل في تحديد ماهية الجريمة المعلوماتية في ضوء هذا القانون، وهو ما يمكن استجلاؤه من خلال قراءة تحليلية متأنية لنصوصه وأحكامه.
فقد عرّف المشرّع الليبي الجريمة الإلكترونية في مادته الأولى بأنها كل فعل يُرتكب باستخدام أنظمة الحاسب الآلي أو شبكة المعلومات الدولية أو غير ذلك من وسائل تقنية المعلومات بالمخالفة لأحكام القانون، وهو تعريف وظيفي يكشف عن تبنّي اتجاه تشريعي مرن وواسع يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية؛ أولها السلوك الإجرامي الذي صيغ بعبارة عامة تشمل كل فعل دون تقييد، بما يستوعب الأفعال الإيجابية كالاختراق والتعديل والنشر، ويمتد كذلك إلى حالات الامتناع متى انطوت على مخالفة قانونية، وثانيها الوسيلة التقنية التي تعد جوهر الجريمة ومناط تمييزها، حيث لا تقوم الجريمة المعلوماتية إلا إذا ارتُكبت عبر الحاسوب أو الشبكات أو غيرها من الوسائل التقنية، أما العنصر الثالث فهو عدم المشروعية، بما يجسد مبدأ الشرعية الجنائية ويقيد نطاق التجريم بنصوص القانون.
غير أن استقراء بقية نصوص القانون، لاسيما المواد (5، 10، 11) وما بعدها، يكشف عن مفهوم أوسع للجريمة المعلوماتية، مفاده أنها كل سلوك غير مشروع يُرتكب باستخدام الوسائل التقنية أو يستهدفها، ويترتب عليه الاعتداء على البيانات أو الأنظمة المعلوماتية أو الحقوق المرتبطة بها، بما يمس الأمن المعلوماتي أو المصالح المحمية قانونًا، وهو ما يعكس انتقال الحماية الجنائية من نطاقها التقليدي إلى نطاق رقمي يركز على عناصر غير مادية كالمعلومات والبيانات والهوية الرقمية.
وتتميز الجريمة المعلوماتية في هذا السياق بجملة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الجرائم، فهي ذات طابع تقني يرتبط باستخدام وسائل متطورة، كما تتسم بازدواجية محلها حيث قد تكون الأنظمة المعلوماتية وسيلة لارتكاب الجريمة كما في الاحتيال الإلكتروني، أو محلًا للاعتداء ذاته كما في جرائم الاختراق وإتلاف البيانات، فضلًا عن كون محلها في الغالب غير مادي ينصب على كيانات معنوية، وهو ما يفرض تحديات خاصة في مجال الإثبات الجنائي، كما أنها تتسم بطابع عابر للحدود، وهو ما أكده المشرّع في المادة (3) بمد نطاق تطبيق القانون إلى الجرائم التي تقع خارج ليبيا متى امتدت آثارها إلى داخلها، الأمر الذي يستلزم تعزيز التعاون القضائي الدولي لمكافحتها، هذا إلى جانب تنوع صورها وتعددها لتشمل جرائم الدخول غير المشروع، والاعتراض والتنصت، والتعدي على البيانات، والاعتداء على الخصوصية والهوية الرقمية، والجرائم الأخلاقية عبر الإنترنت، فضلًا عن الجرائم الاقتصادية والجرائم الماسة بأمن الدولة.
وفيما يتعلق بنطاق التجريم، يتضح أن المشرّع الليبي قد انتهج سياسة جنائية مزدوجة تقوم على الجمع بين التجريم المستقل لبعض الأفعال التقنية البحتة كجرائم الاختراق والاعتراض، والتجريم المرتبط الذي يجعل من استخدام الوسائل التقنية ظرفًا لارتكاب جرائم تقليدية، وهو ما أكدته المادة (49) بإحالتها إلى تطبيق قانون العقوبات العام في هذه الحالة، بما يعكس تكاملًا بين النصوص الخاصة والقواعد العامة.
وعلى ضوء ذلك، يمكن تأصيل تعريف فقهي جامع للجريمة المعلوماتية في التشريع الليبي بأنها كل سلوك غير مشروع معاقب عليه قانونًا يُرتكب باستخدام أنظمة المعلومات أو يستهدفها ويؤدي إلى الاعتداء على البيانات أو الأنظمة أو الحقوق المرتبطة بها بما يمس الأمن المعلوماتي أو المصالح المحمية قانونًا.
وخلاصة القول، إن القانون رقم (5 لسنة 2022م) يجسد توجهًا تشريعيًا حديثًا نحو بناء نموذج متكامل للتجريم في البيئة الرقمية، يقوم على توسيع نطاق الحماية الجنائية ليشمل الفضاء المعلوماتي، ويكرّس الأمن المعلوماتي كقيمة قانونية مستقلة، مع تحقيق التكامل بين أحكامه وأحكام قانون العقوبات العام، وهو ما يشكّل في مجموعه نواة حقيقية لتأسيس نظرية عامة للجريمة المعلوماتية في التشريع الجنائي الليبي، وإن كانت فعالية هذا الإطار تظل مرهونة بتطوير آليات التطبيق العملي، وتعزيز الكفاءة الفنية لأجهزة العدالة الجنائية، وتفعيل آليات التعاون الدولي لمواجهة جرائم لا تعترف بحدود جغرافية.
لم يعد الفضاء الرقمي في عصرنا الراهن مجرد وسيط تقني لتبادل المعلومات، بل أضحى بيئة متكاملة تنشأ فيها علاقات قانونية مستحدثة، وتتولد عنها صور جديدة من السلوك الإجرامي تتسم بالتعقيد والامتداد العابر للحدود، الأمر الذي فرض على المشرّع الليبي مواكبة هذا التحول بإصدار القانون رقم (5 لسنة 2022م) بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية، واضعًا بذلك إطارًا جنائيًا حديثًا يهدف إلى حماية الأمن المعلوماتي وصون المصالح القانونية المرتبطة بالبيئة الرقمية.
ومن هنا تبرز إشكالية جوهرية تتمثل في تحديد ماهية الجريمة المعلوماتية في ضوء هذا القانون، وهو ما يمكن استجلاؤه من خلال قراءة تحليلية متأنية لنصوصه وأحكامه.
فقد عرّف المشرّع الليبي الجريمة الإلكترونية في مادته الأولى بأنها كل فعل يُرتكب باستخدام أنظمة الحاسب الآلي أو شبكة المعلومات الدولية أو غير ذلك من وسائل تقنية المعلومات بالمخالفة لأحكام القانون، وهو تعريف وظيفي يكشف عن تبنّي اتجاه تشريعي مرن وواسع يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية؛ أولها السلوك الإجرامي الذي صيغ بعبارة عامة تشمل كل فعل دون تقييد، بما يستوعب الأفعال الإيجابية كالاختراق والتعديل والنشر، ويمتد كذلك إلى حالات الامتناع متى انطوت على مخالفة قانونية، وثانيها الوسيلة التقنية التي تعد جوهر الجريمة ومناط تمييزها، حيث لا تقوم الجريمة المعلوماتية إلا إذا ارتُكبت عبر الحاسوب أو الشبكات أو غيرها من الوسائل التقنية، أما العنصر الثالث فهو عدم المشروعية، بما يجسد مبدأ الشرعية الجنائية ويقيد نطاق التجريم بنصوص القانون.
غير أن استقراء بقية نصوص القانون، لاسيما المواد (5، 10، 11) وما بعدها، يكشف عن مفهوم أوسع للجريمة المعلوماتية، مفاده أنها كل سلوك غير مشروع يُرتكب باستخدام الوسائل التقنية أو يستهدفها، ويترتب عليه الاعتداء على البيانات أو الأنظمة المعلوماتية أو الحقوق المرتبطة بها، بما يمس الأمن المعلوماتي أو المصالح المحمية قانونًا، وهو ما يعكس انتقال الحماية الجنائية من نطاقها التقليدي إلى نطاق رقمي يركز على عناصر غير مادية كالمعلومات والبيانات والهوية الرقمية.
وتتميز الجريمة المعلوماتية في هذا السياق بجملة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من الجرائم، فهي ذات طابع تقني يرتبط باستخدام وسائل متطورة، كما تتسم بازدواجية محلها حيث قد تكون الأنظمة المعلوماتية وسيلة لارتكاب الجريمة كما في الاحتيال الإلكتروني، أو محلًا للاعتداء ذاته كما في جرائم الاختراق وإتلاف البيانات، فضلًا عن كون محلها في الغالب غير مادي ينصب على كيانات معنوية، وهو ما يفرض تحديات خاصة في مجال الإثبات الجنائي، كما أنها تتسم بطابع عابر للحدود، وهو ما أكده المشرّع في المادة (3) بمد نطاق تطبيق القانون إلى الجرائم التي تقع خارج ليبيا متى امتدت آثارها إلى داخلها، الأمر الذي يستلزم تعزيز التعاون القضائي الدولي لمكافحتها، هذا إلى جانب تنوع صورها وتعددها لتشمل جرائم الدخول غير المشروع، والاعتراض والتنصت، والتعدي على البيانات، والاعتداء على الخصوصية والهوية الرقمية، والجرائم الأخلاقية عبر الإنترنت، فضلًا عن الجرائم الاقتصادية والجرائم الماسة بأمن الدولة.
وفيما يتعلق بنطاق التجريم، يتضح أن المشرّع الليبي قد انتهج سياسة جنائية مزدوجة تقوم على الجمع بين التجريم المستقل لبعض الأفعال التقنية البحتة كجرائم الاختراق والاعتراض، والتجريم المرتبط الذي يجعل من استخدام الوسائل التقنية ظرفًا لارتكاب جرائم تقليدية، وهو ما أكدته المادة (49) بإحالتها إلى تطبيق قانون العقوبات العام في هذه الحالة، بما يعكس تكاملًا بين النصوص الخاصة والقواعد العامة.
وعلى ضوء ذلك، يمكن تأصيل تعريف فقهي جامع للجريمة المعلوماتية في التشريع الليبي بأنها كل سلوك غير مشروع معاقب عليه قانونًا يُرتكب باستخدام أنظمة المعلومات أو يستهدفها ويؤدي إلى الاعتداء على البيانات أو الأنظمة أو الحقوق المرتبطة بها بما يمس الأمن المعلوماتي أو المصالح المحمية قانونًا.
وخلاصة القول، إن القانون رقم (5 لسنة 2022م) يجسد توجهًا تشريعيًا حديثًا نحو بناء نموذج متكامل للتجريم في البيئة الرقمية، يقوم على توسيع نطاق الحماية الجنائية ليشمل الفضاء المعلوماتي، ويكرّس الأمن المعلوماتي كقيمة قانونية مستقلة، مع تحقيق التكامل بين أحكامه وأحكام قانون العقوبات العام، وهو ما يشكّل في مجموعه نواة حقيقية لتأسيس نظرية عامة للجريمة المعلوماتية في التشريع الجنائي الليبي، وإن كانت فعالية هذا الإطار تظل مرهونة بتطوير آليات التطبيق العملي، وتعزيز الكفاءة الفنية لأجهزة العدالة الجنائية، وتفعيل آليات التعاون الدولي لمواجهة جرائم لا تعترف بحدود جغرافية.
Add New Comment